20 ديسمبر 2009
لا استطيع بالتحديد ان اجزم بحال العلاقة بين الحب والشتاء. فتارة يهبنا فصل الشتاء اجمل عطايا ومنح الحب. الذى يجعلنا نشعر بدفىء فى اوصالنا ويتغلب هذا الدفء على قساوة برودة الشتاء المعهودة. فقد وهبنى الشتاء اجمل لحظات الحب، واجمل معانى الغرام، واكثر اللحظات دفئا فى العالم التى لا تستطيع ان تمنحها لنا اكثر اجهزة التدفئة تطورا.
واخالنى اشعر ان العلاقة بين الشتاء والحب هى ذاتها العلاقة بين الانسان والحياة. فالشتاء؛ ببرودته، وقساوة ايامه، ورياحه العاتية، وامطاره الغزيرة، ووجهه المقطب دائما، الباسم قليلا، لا يعدو الا ان يكون تشخيصا لحال الحياة نفسها: باردة، قاسية، جرداء، دموعنا فيها كأمطار الشتاء، نكافحها كما تكافح الاشجار رياح الشتاء العاتية، وبسماتنا فيها قليلة كقلة ايام الشتاء الصحوة الدافئة.
والحب هو الذى يكسر قساوة الحياة. فعندما نحب نجد الملجأ بين احضان الحبيب من برودة الشتاء. وعندما نحب نجد من يمسح دموعنا كما تنظف ربة البيت الحكيمة اثار الامطار من على نوافذ غرف اطفالها. وعندما نحب نجد الكوخ او القلعة او المنزل او القصر الذى يقينا رياح الدنيا العاتية فلا تكسرنا او تقتلعنا كما تقتلع اعجاز النخل.
وعندما نحب نجد من يستمع لاهاتنا ويبتسم لبسماتنا ويربت على احزاننا ويهدهد قلقنا وخوفنا من الشتاء او قسوة الحياة. ان الحب هو تلك المعجزة التى تجعل صحراء حياتنا الجرداء رابية مخضرة. ففعله فى قلوبنا كفعل الماء الذى عندما يهبط من السماء الى الارض القاحلة تربو، وتهتز، وتثمر وتصبح جنة الله فى ارضه. ان الحب فى الحياة القاسية هو الذى يجعل سراب المياة ينابيع ماء عذبة متفجرة تطفىء عطش الظمآ ن. وتبدد حيرة الحيران.
ولماذا كوخ او قلعة او قصر او منزل؟ فالحب الذى لا يصمد امام رياح الشتاء وامطار الشتاء وتقلبات مناخ الحياة لا يعدو كونه كوخا مبنى على ارض رملية يسهل اقتلاعه. ولا بقاء له مع الايام ولا يدم طويلا . اما المنزل فتصمد جدرانه امام الرياح وامام شدة المطر ولكن ربما تتكسر نوافذه ويتحطم زجاجه وربما تندفذ البرودة من الشتاء وتصيب القاطنين فيه بامراض الانفلوانزا وقد تتسلل اليه اساساته مياه الشتاء فتذيبها فيسقط من اساسه. ولا تستطيع ان تسمع اصوات الكائنين فيه من ارتفاع اصوات تحطم النوافذ وتكسر الزجاج. يستطيع هذا الحب ان يصمد مع مافيه من منغصات وهو الشائع فى هذه الدنيا وربما يتهاوى المنزل بين عشية وضحاها وربما يصبح ذات يوم ايلا للسقوط.
فأذا احببنا لابد لنا من حب كقصر منيف او قلعة شامخة لا تؤثر فيه رياح ولا امطار ولا برودة ولا ظلام ولا تسرب مياة تمر به كل هذه التغيرات المناخية ويصبح صامدا شامخا قويا وربما هو الذى يصيب الرياح ببعض الجروح . ولا تزيد هذه الظروف الا اعجاب الناس به. فهو حصن الامان الذى يحتاج كل البشر الى الركون اليه. بل كل المخلوقات تصبو لهذا النوع من الحصن والحماية. ولا ادرى ابشر يستطيعون ان يمدونا بهذا النوع من الحب او انه قاصر على الذات الالهية. وربما يمنح الله المحظوظين من عباده حبا كهذا فى الدنيا. ولكن اغلب الظن عندى ان الحماية المطلقة من اهوال الشتاء ومصائب الدنيا والرعاية المطلقة والعطاء المطلق لن نجده الا عند الله جل وعلا.
فعندما نصاب بحب لا يعدو كونه كوخا نحيا لحظات من السعادة فيه وايام قليلة من الامان ونحن نظن اننا داخل قصر شاهق او قلعة منيعة ولكن مع اول عاصفة تعصف به يتهاوى هذا الكوخ وتنتثر اشلائة مبعثرة فى كل ناحية ونبقى فى العراء تحت تقلبات الجو وتحت وطأة برد الشتاء القاسى ورياحه التى لا رحمة فيها وامطاره الباردة. ونظل نبكى على الحطام وربما نمضى باقى عمرنا فى رثاء اطلال كوخ لم يكن فى يوم من الايام يليق بان يكون سكنا لنا.
فعجبا لذلك الشتاء الذى يعطى ويمنع فتارة يهبنا حبا يخفف عنا قسوته، وتارة يهدم هذا الحب فنمنى ببرودة الشتاء واسف على ما فات وتكشر الحياة عن انيابها وتعصف بنا الرياح وتتقاذفنا من واد الى واد وحينا نحتاج ملجأ. وحينها لا ملجأ من قسوة الزمان الا اذا لجأنا للحنان المنان فهو الوكيل وهو خير العوض وهو رب الدنيا والاخرة صاحب الحياة هو المولى والمليك. ومن يهتدى الى طريق حصنه الحصين يهتدى حينها لربيع القلب. فحسبنا الله ونعم الوكيل.
تمت

رخصة النشر (Syndication)
06/01/2010 على الساعة 21.12:57
من طرف د/منية النفس
ميرسى على تعليقك يانهلة بجد سعيدة ...
06/01/2010 على الساعة 21.06:00
من طرف د/منية النفس
ميرسى تعليقك زين موضوعى
06/01/2010 على الساعة 20.58:27
من طرف د/منية النفس
الصداقه كالمظلة كلما اشتد المطر كلما ...
02/01/2010 على الساعة 02.04:27
من طرف عماد هلال
فعلا العمر لحظات ولقطات سريعة متلاحقة ...
09/12/2009 على الساعة 23.18:07
من طرف د/منية النفس